ذكرى دومينيك شوفالييه

http://www.almodon.com/opinion/95da2b1b-0478-478e-90f2-f8f52820b657

تتمّ في هذه الأيام دورة خمس سنوات انقضت على رحيل المؤرّخ الفرنسي البارز، صديق لبنان والعرب، وأستاذ كثر من مؤرّخي جيلنا والجيل الذي يليه دومينيك شوفالييه. لم يحصل عندنا، في مدّة الغياب هذه، ما ينمّ بعرفاننا فضل الرجل. وأقلّ ما أراني أفعله في هذه الذكرى أن أستعيد كلمة تأبين كنت قد ألقيتها أمام جثمانه المسجّى في كنيسة سان جرمان لوكسروا المجاورة لمتحف اللوفر في باريس. ما يلي ترجمة عربية لتلك الكلمة…  كان منّي أن كتبتُ، قبل أعوامٍ كثيرة، أن دومينيك شوفالييه أدخل لبنان التاريخ. ولم يكن المقصود تاريخَ العالم الذي صدرت من الشرق الأدنى بعض من تمتماته الأولى بل قصدتُ عِلْمَ المؤرّخين الكبير. فحين أزمع دومينيك شوفالييه أن يصبح المؤرّخ الذي كانه، ترتّب عليه أن يصبح رجلاً عظيم الثقافة وأن يصبح كاتباً كبيراً أيضاً فضلاً عن استوائه رجل علم. وهو قد خصّ بلادنا هذه بباكورة موهبته التي كانت قد غدت واثقة بما اكتنزته من طاقات. فلم يكفه أنه واءم بين ما تتيحه أنظمة معارف معروفة بالغيرة كلاًّ على حوزته بل هو قد حملنا على نسيان ما بينها من حدود ترعاها عيون ساهرة. وإنما أرمي إذ أقول هذا إلى إبراز ما يتّصف به من ألمعية صريحة تأليف ينسينا نسيجه برهافته وشدّة أسره معاً وتنسينا تطلّعاته الجامعة إلى بعد المطمح ملازمةً لأكثر منحنيات الموضوع عسراً على المتابعة أين يبدأ علم الإناسة وأين ينتهي الاقتصاد السياسي أو تاريخ المؤسّسات. ننسى أيضاً أن نسأل أنفسنا كيف أمكن أن يندرج تحليل البنى بهذا اليسر في مساق رواية الحوادث.  وذاك أن دومينيك شوفالييه يفلح في إتيان الأعجوبة التي هي المساوقة ما بين ضربات الفرشاة الآيلة إلى تشكيل لوحة وصفية وتكثير الملامح المظهرة للمرتكزات المتشابكة واستعراض الوقائع أخيراً. والوقائع ههنا كبيرة وصغيرة ولكن اختيارها موفّق دائماً. فيسعد بها القارئ الراغب في الاطلاع على تاريخ لبنان وعلى انغماس هذه البلاد في مبارزات راحت تتشكّل بفضلها ما بين أقوياء الغرب والشرق وتلبّى أيضاً رغبة هذا القارئ في فهم ذلك كله. يجعل دومينيك شوفالييه من هذه البلاد الصغيرة بوّابةً تتيح له، على ما في الأمر من مفارقة، وتتيح لقرّائه أيضاً فرصة الدخول، ليس إلى ماضي الشرق الأدنى العربي بالدرجة الأولى بل إلى حاضره على الخصوص. وهو يتوصّل أيضاً عبر بلادنا إلى مرتبة المؤرّخ الكبير المتبوّئ مكانة مقصورة عليه في الكوكبة الجميلة التي تمثّلها المدرسة التاريخية الفرنسية في عصرنا هذا. ***   على أن لبنان لم يكن، في يوم من الأيام، لدومينيك شوفالييه مجرّد موضوع للدراسة. بل إن هذا الرجل الكثير الأسفار قد جعل من بلادنا مقصداً منتظماً له ومحطّة مفضّلة من محطات جولاته. ولسوف يبقى أصدقاؤه الكثر يستشعرون ونبقى نحن تلامذته المقيمين في بلاد عادت ضحية للمجاذبات المستأنفة، نستشعر إلى أجل غير مسمّى فقدنا لهذا السند الذي كانت تمثّله لنا، في أسوإ المراحل التي عبرتها محنتنا الوطنية، زيارات دومينيك شوفالييه لنا وجلساتنا إليه. كان يحضر ليستمع إلينا ولكن عباراته كانت تقطع أيضاً، على غرار شفرات من نور، في أمر مزالقنا المتكرّرة والمتعارضة.   وفي أيام الحرب من صيف العام 2006، كان دومينيك شوفالييه يخابرني إلى بيروت كل يومٍ تقريباً. فهذا الرجل الذي كان ينأى به قناع غير حميم وكان يصعب على أيّ منّا أن يزعم الأُلْفة له، كان يسْتنفره جسداً وروحاً شعوره بالتضامن مع اللبنانيين المعذّبين أو المهدّدين الذين كان يمثّلهم عنده، في بعض الأحيان، وجه يعرفه. فلقد صدرت عنه عبارات هي عبارات الأب المفجوع ولكنها أيضاً عبارات الشاهد الثائر وهو يودّع تلميذين اثنين من بين ألمع تلامذته هما أنطوان عبد النور وسمير قصير وقد سقط كلاهما، بفاصل ربع قرن بينهما، برصاص طاغية المرحلة. ولقد أدركني، أنا أيضاً، صوته القويّ منتصراً لي عندما أمضيت أيّاماً من صيف العام 1982 في قبضة الأتباع اللبنانيين لجيش الاجتياح الإسرائيلي ثم في قبضة هذا الجيش نفسه. تلك بوادر ليس للبنانيين أن يأذنوا لأنفسهم بتناسيها. حظيت أيضاً بامتياز فاجع تمثّل في أنني كنت واحداً من أواخر اللبنانيين – وقد أكون آخرهم – الذين التقوا دومينيك شوفالييه. فقد استقبلني في منزله قبل رحيله بثلاثة أيام. وعلى جاري عادته، كان ، على الرغم من حاله الصحية التي بدت لي مثيرة لأبلغ القلق، قلقاً من جهته على لبنان. كانت بلادنا قد اجتازت، في السابع من هذا الشهر، ما بدا وكأنه الليل الأول من حرب أهلية جديدة. والحال ان دومينيك شوفالييه كان يجيب برتابة كلّما سألته إن كان محتاجاً إلى شيء من بيروت: “إلى السلام!” ستبقى ذكرى دومينيك شوفالييه في نفسي، على الدوام،  ذكرى المعلّم الاستثنائي والسند المعنوي الذي لا يهتزّ والصديق. وإذ أشاطر ذويه ألمَهم مشاطرة الصديق، أشعر بأن عليّ التقدّم بأحرّ التعزية أيضاً من الهيئة الجامعية الفرنسية ومن بلادي لبنان. – See more at: http://www.almodon.com/opinion/2013/5/3/%d8%b0%d9%83%d8%b1%d9%89-%d8%af%d9%88%d9%85%d9%8a%d9%86%d9%8a%d9%83-%d8%b4%d9%88%d9%81%d8%a7%d9%84%d9%8a%d9%8a%d9%87#sthash.UTAnN2tp.dpuf

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s