واجهاتُ المَصارف

http://www.almodon.com/opinion/f0d02ad9-fde5-437e-ae1f-482a62d4757f

في مقالة سابقة نُشرت هنا، ذكرنا طغيان الزجاج على العمارة الجديدة في بيروت، بما فيها هذه الأبراج التي باتت غير مقصورة على الأعمال وراح كثير منها اليوم يخصص للسكن. في المساق نفسه، تستأهل فروع المصارف وقفة خاصة. ففي العامين المنصرمين، جنحت هذه الفروع إلى كشف ما يجري في داخلها للمارّة والمتسكّعين… فهي قد اتّخذت، عوضَ الجدران الصفيقة التي كان يتخللها عادة باب ثقيل ونوافذ محصّنة بقضبان معدنية غليظة، واجهاتٍ عريضة من الزجاج الشفاف كثيراً ما يظهر خلفها الزبائن والموظفون يُجْرون ما يُجْرونه من عمليات وكأنهم يقولون للناظرين أن لا شيء عندهم يخفونه! هي الشفافية التامّة إذن يتيحها هذا الزجاج المستأثر بالواجهات. وهو، فضلاً عن دعوته من يرغب في النظر إلى إمعان النظر ما طاب له ذلك، يوحي بالأمان يغمر المدينة والبلاد. لا موجب إذن لإسمنت الجدران ولا للأبواب الثقيلة والنوافذ الحصينة. لن يُقْدم أحد على كسر ألواح الزجاج هذه، على الرغم من أن منظرها الموحي للوهلة الأولى بسرعة العطب يبدو وكأنه، بحدّ ذاته، دعوة لجوجة للصوص إلى اغتنام الفرصة الأولى المؤاتية لمهاجمتها بالمطارق وبأعقاب البنادق والنفاذ من أية ثغرة تنفتح فيها إلى الداخل وكنوزه. قد تكون شفافية الزجاج أخْذَ عِلْم بأن عهد السرّية المصرفية الذي عرفه لبنان عشراتٍ من السنين قد انقضى أو أن نطاق السرّية المشار إليها قد ضاق وأصبح النفاذ من أستارها أيسرَ بكثير من ذي قَبْل على من يهمّه الأمر من سلطات الرقابة: الداخلية منها والخارجية. ولا يمنع هذا التأويل أن تكون الشفافية أيضاً طلباً للبراءة من تهمٍ عالمية الرواج في أيامنا هذه، أظهَرُها تهمتا تبييض الأموال وتمويل الإرهاب. وهاتان تهمتان كان من شأن السرّية المصرفية أن تعزّزهما وما تزال بقاياها مصدر شبهات تتعلق بهما. وقد كانتا بدورهما في رأس ما أطاح السرّية المصرفية، أو كاد، من أسباب. وذلك بعدما بقيت عقوداً عنوان فخار للنظام المصرفي اللبناني وموضوع إغراء لأنواع شتى من الأموال باعتماد هذا النظام والركون إليه. وما من ريب، بعد هذا، في أن المصارف اللبنانية تقتفي، في مظهرها، أثر كبريات المصارف في أمّهات العواصم المالية وأنها ليست من اخترع طراز الواجهات الجديد الذي أخذت تعتمده فرعاً تلو الآخر. وهي إذ تمتثل للقدوة العالمية تقرّ بعولمة النظام كله وتُعرِض عن اختلاف ظروف الأمن، بخاصة، في عواصم المال الكبرى عمّا هي عليه في بيروت. ثم إنها تسلّم بأن المال لا قومية له فضلاً عن افتقاره المعلوم إلى رائحة. الفينيقيون اخترعوا الزجاج المنفوخ بما يتيحه من أشكال وما يحتمله من ألوان ولكن لا يوجد دليل على أنهم عرفوا هذه المسطحات الشاسعة من الزجاج المقوّى… وكان التبييض وتمويل الإرهاب قد أطاحا نظام السرية المصرفية في سويسرا الغرب قبل أن يطيحاه في “سويسرا الشرق” الناسجة، بقدر المستطاع وفي حدود المرغوب، على منوال المثال الأوروبي. فإن سويسرا الأصلية لم تكن أبداً بمنجاة من الآفتين المشار إليهما بل أمكن لابنها وناقد نظامها جان زيغلر، قبل ما يزيد عن عشرين سنة، أن يتّخذ لأشهر كتبه هذا العنوان البليغ: “سويسرا تغسل أكثر بياضاً”!. عندنا أمكن للرقابة الدولية أن تصطاد مصرفاً واحداً بتهمة الضلوع في تمويل الإرهاب وهي قد مرّغت أنف المصرف المذكور بالتراب. على الأثر، قالت المراجع المأذونة إن هذه هي الحالة الوحيدة في بابها وإن ثوب النظام المصرفي اللبناني لن تظهر عليه بعد هذا أية لطخة من هذا القبيل. وقد وافق هذا الكلام حمّى تركيب الواجهات الزجاجية…  مع ذلك، يزعم لك أي متنزه لبناني في أسواق العاصمة أن هذا المتجر أو ذاك أو ذلك لا يبيع ولا يشتري تقريباً وأنه إنما يتكبدّ ما يتكبد من نفقات الإجارة والإدارة الباهظة وأكلاف السلع المعروضة لتبييض أموال نقدية طائلة لا تبيّض مصادرُها الوجوه ولا ترفع الرؤوس. وأما “الإرهاب” فهو، إذا اعتمدنا تعريفه “العالمي”، أمست عناوينه كثيرة في البلاد ومعلومة… وسواءٌ أكان حَمَلة الخاتم من أهل الإنصاف لا يَصِمون بالإرهاب سوى المستحق أم كانوا يدمغون به الخارجين عن طاعتهم بقطع النظر عن الاستحقاق، فإن من العجيب أن نرى هذه القوى كلها مجتمعة عندنا، لا تظهر عليها أدنى علامة من علامات الفاقة وشظف العيش، ثم تفلح في إبقاء تمويلها كله خارج قنوات النظام المصرفي… فتبدو مكتفية بالحقائب وأكياس الخيش لخزن الأموال ونقلها وتوزيعها. ومهما يكن من شيء، فإن ما تخلّفه الواجهات الجديدة من أثر في نفس الناظر إليها لا يعدو، على الأرجح، نطاق التوهّم. وذاك أن الزجاج المستخدم قد لا يقلّ صلابة واستعصاء على المقتحمين عن الجدران الحجرية. ثم إن معظم المساحات الزجاجية راحت تغطيها الإعلانات عن التسهيلات والمنتجات المعروضة… فخَفِيَ من جديدٍ معظمُ ما يجري في الداخل عن أعين المتلصّصين.         – See more at: http://www.almodon.com/opinion/2013/3/21/%d9%88%d8%a7%d8%ac%d9%87%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b5%d8%a7%d8%b1%d9%81#sthash.oGAyp430.dpuf

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s