فرنسيس الأصلي

http://www.almodon.com/opinion/6cab6fae-d227-44a4-9282-80ea75d0adc5

فاجأني أن البابا الجديد، حين وقع اختياره على “فرنسوا” أو “فرنسيس” اسماً حبريّاً اتّخذه، أصبح يدعى “فرنسوا الأوّل”. في التاريخ يذهب بنا هذا الاسم، أوّل ما يذهب، إلى ملك عريض الصيت في السياسة والحرب جلس على عرش فرنسا قبل 500 سنة. لم يكن البابا يتّخذ هذا الملك قدوة بطبيعة الحال. وإنما أرادنا أن نذهب بخيالنا حين نلفظ اسمه الجديد إلى فرنسيس الأسيزي، شفيع إيطاليا وقدّيس الفقراء وخادم الإنسانية الزاهد والداعي إلى محبّة الخليقة كلها ومؤلّف الصلوات المشحونة بالشعر والمعدودة طليعة للمكتوب منه بالعامية الإيطالية؟.  فكيف جرى إذن أن البابا المنتخب لم يكن غير “فرنسوا الأوّل” فلم يوجد قبله بابا آخر اتّخذ لنفسه هذا الاسم وهذه القدوة… وهذا مع كثرة الطليان بين البابوات السابقين ومع رفعة اسم الأسيزي في البلاد التي تضمّ في وسطها مدينته ورفاته وتؤوي هي نفسها الكرسي الرسولي وكنيسة بطرس؟ كيف جرى أن آخر بنديكتوس كان السادس عشر وآخر بيوس كان الثاني عشر وآخر بولس كان السادس وآخر يوحنا كان الثالث والعشرين فيما يفاجئنا فرنسيس بكونه الأوّل ليس إلّا؟ أسّس فرنسيس الأسيزي، وهو لا يزال في ريعان شبابه، رهبانية “الإخوة الصغار” المعروفة أيضاً بـ” الفرنسيسكان”. وهي سلكٌ اشتهر بالتقشّف وبالإقبال على الأنواع الصعبة من الخدمة. هذا الرجل الذي ولد في أواخر القرن الثاني عشر، اعتكف للعبادة باكراً إلى أن قضى في سنة 1226، ولمّا يبلغ منتصف أربعيناته.  وعلى غرار آخرين ممن انتهوا إلى حياة القداسة، كان فرنسيس في مرحلة أولى من شبابه خطّاءً كبيراً، مقبلاً على المتع المحرّمة. وكان قد ولد في عائلة ميسورة وأصبح معاوناً لوالده في تجارته… وكان قد جرّب نفسه في الحرب أيضاً ووقع مدّة في الأسر. وقد كان منه أيضاً، في مرحلة لاحقة من حياته، أنه اشترك في الحملة الصليبية الخامسة إلى مصر. ورُوِي أنه أجرى حواراً دينياً مع السلطان الكامل الأيوبي قبالة دمياط. وذُكِر أنه حاول دعوة السلطان إلى الإيمان المسيحي!…  وأما الحدث الفاصل في حياته فهو أنه سمع وهو يصلّي، في يومٍ من الأيّام، صوتاً تعرّف فيه صوتَ المسيح يطالبه بإصلاح كنيسة في الجوار كانت مشرفة على الخراب. وكان هذا الهاتف هو ما حمله على تغيير سيرته وقذف به في طرق غير التي كان قد ألفها من قبل. وفي أوّل الأمر، فهم فرنسيس طلب المسيح فهماً حرفياً فراح ينفق ما كان بعهدته من مال أبيه على ترميم الكنائس. ثمّ ما لبثت رؤياه أن اتسعت فأدرك أن الكنيسة المحتاجة إلى جهود البنّائين إنما هي كنيسة البشر أي جماعتهم المتخبّطة في الخطايا وفي الآلام. وقد يكون هذا الأسيزي أوّل إنسان معروف احتجّ على الظلم بالتعرّي… مستبقاً بقرون حالاتٍ معاصرةً لنا شهدَتها ولا تزال تشهدها بلاد مختلفة. وذاك أن والده أغضبه ما اعتبره تبديداً لأمواله في ترميم الكنائس وشكاه لدى السلطات ثم لدى أسقف أسيزي. فكان أن فرنسيس أرجع إلى والده ما كان قد بقي في يده من مالٍ وخلَع ثيابه كلها في الساحة العامّة وهو يقصد القول بهذا إنه لا يريد شيئاً لنفسه مطلقاً ويخلع العالم المادّي. فما كان من الأسقف إلا أن غطّى بعباءته عُري الشاب المحتجّ وجعله تحت حمايته. وحين رحل الأسيزي عن الدنيا وهو في أوائل كهولته، كان الكرسي الرسولي قد اقتَبَل نظامَه الرهباني وكانت مكانته عند المؤمنين وفي الكنيسة قد أصبحت وطيدة. فضُمّ إلى روزنامة القدّيسين قبل أن ينقضي على موته عامان من الزمن… وفي زماننا، كان من تعلّق الأسيزي بالخليقة وبحقوق المخلوقات أنْ حَمَل البابا يوحنا بولس الثاني على تنصيبه شفيعاً لأنصار البيئة… هذا هو الرجل الذي أوحى إلينا البابا الجديد بأنه راغب بالتمثّل به. هو رجل خدمة وبناء، منصرف عن الدنيا ومكرّس نفسه للمعذّبين وللخطأة. وهو قد استنفر للخدمة معه وبعده من مسّتهم دعوته وبلغ قلوبهم إيمانه. ليس بِدْعاً إذن أن يتّخذه قدوةً معاصرُنا الأرجنتيني وقد اختاره “أمراء الكنيسة” الجامعة رأساً لها. فهذا البابا ليس أوّل فرنسيس بين البابوات وحسب. وإنما هو بينهم أوّلُ قادم من أقصى جنوب العالم… من تلك القارّة الكاثوليكية التي سارت في ثلث القرن الأخير شوطاً طويلاً نحو الخلاص من الاستبداد (استبداد العسكر، على التخصيص) ولكنها لم تزل تتخبّط في الفقر وفي كثير من أشكال الظلم ومن القيود التي ينسب ثقل بعضها إلى الكنيسة نفسها. فالكنيسة هناك تجرّ خلفها تاريخاً ملتبساً جاور فيه لاهوت الثورة والتحرّر ممالأة الظلمة والحرص على الدنيوي من الامتيازات. والذي شاع عن البابا الجديد فور انتخابه انطوى على الإشادة بتواضعه وزهده وإقباله على الخدمة وانطوى أيضاً على إشارات إلى مواقف توصف بـ”المحافظة” في تشريع الزواج والعائلة وأخرى توصف بـ”المتحفّظة” أو المترددة في ميدان حقوق الإنسان… لذا كان يتعين علينا، وإن سرّنا اقتداء الأرجنتيني بالأسيزي وحمَلَنا على التفاؤل بالخير، أن ننتظر امتحان  المساعي والأفعال. فالمعاناة صعبة والتغلب على نوازع النفس ومطامح الغير في موقع السلطان لا يتيسّر لأيّ كان. والإلهام قد يهجر صاحبه. تلك هي المحنة التي كان قد أشار إليها الأسيزي في عبارات موجعة بقيَت في ذاكرتي من عقود: “ليتني تنكّرتُ للهاتف العجيب وبقيتُ تاجرَ أقمشةٍ في البندقية. لكنني سأتجلّد وأنتظر عودة الهاتف حتى الرمق الأخير”  وعند الامتحان يكرم كلّ فرنسيس أو يُهان…           – See more at: http://www.almodon.com/opinion/2013/3/15/%d9%81%d8%b1%d9%86%d8%b3%d9%8a%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b5%d9%84%d9%8a#sthash.2Emlgnp8.dpuf

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s