عالَمٌ ضعيف

http://www.almodon.com/opinion/f5f276de-ed5f-4ec3-848e-0792924fd029

كان لافتاً تواضعُ المبلغين اللذين قدّمتهما الولايات المتحدة مؤخّراً إلى مصر الواقفة على شفير الإفلاس وإلى الثورة السورية التي كانت ولا تزال تعاني ضيقاً بالغاً في الموارد. وقد يكون في هذا التواضع إشارة إلى تردّد في الانغماس في وضعين مشكلين: الوضع المصري الذي يسوقه أسلوب الإخوان المسلمين في الحكم، على ما يظهر، إلى مرحلة مديدة وغير مأمونة الأفق من الاضطراب المتعدّد الوجوه والوضع السوري الذي تخشى الولايات المتحدة من غلبة الجهاديين على مقاليده إذا انتهى جانب معتبر من المعونات الخارجية إلى أيديهم… غير أن هذا التواضع في المعونة الأميركية يشير أيضاً إلى أمرين: الأمر الأول أن الولايات المتحدة تقرّ لروسيا بمصالح ذات ثقل استثنائي في سوريا. وهذه مصالح تتّخذ من النظام الأسدي مرتكزاً لها بحيث ينتهي انهياره إلى انكفاء الموقع الروسي في شرق المتوسط وتضعضعه وبحيث يضطرب أيضاً الميزان الذي تبدو روسيا طامحة إلى إنشائه في منطقة تمتدّ، عبر العراق، من الساحل السوري إلى التخوم الروسية مع إيران. لا يشبه هذا المحور ما كان مألوفاً من كتل مضمونة الولاء لـ”لأخ الأكبر” في أيام الحرب الباردة. بل هو يقبل احتفاظ كلٍّ من أطرافه بفسحة لَعِبٍ مستقلة نسبياً ويسلّم بإمكان الاختلاف بين هذه الأطراف في النظر إلى موضوعات ذات أهمية. على أن التقابل العام قائم بين هذا الجانب وذاك الذي تمسك الولايات المتحدة بزمامه وهو يجابه الجانب الأوّل في عقر دياره في بؤر متحركة أهمها الملف النووي الإيراني والساحة السورية ومصير المجابهة الدائرة في العراق. هذا التقابل يبدو كافياً لإنشاء نوع من اللحمة يجوز وصفها بغير العضوية بين الأطراف المعارضة للقيادة الأميركية أو الأطلسية.  فإن هذا النحو من التضامن المرن والنسبي هو، على الأرجح، ما يبيحه تنافس بين جهتين تقريبيتين لا تُعرف لهما حتى الساعة حدود مستقرّة وليس بين قيادتيهما عداوة معلنة ولم تتّخذ المجاذبة بينهما صورة الحرب الباردة، ولكن مدارات هذه المجاذبة حيوية وصائرة إلى توسّع. وكان المعسكر الذي قد تصح العودة إلى وصفه بـ”الغربي” قد أبدى استهانة بمصالح منافسيه في أقطار شهدت فصولاً مما سمّي “الربيع العربي”. فبدا الغيظ الروسي شديداً من التصرّف الأطلسي بالأزمة الليبية. وما تزال إيران تجهد، بعد وضع حلفائها يدهم على آلة السلطة في بغداد، في استحداث بؤر لنفوذها في الجزيرة العربية، من اليمن إلى البحرين. وهذا بعد أن بقيت ضامرةً ثمراتُ الجهود الإيرانية للتقرّب (باسم الإسلام) من النظامين الناشئين في مصر وتونس. في مواجهة هذه المحاولات، لا يبدو المعسكر الغربي بقيادته الأميركية راغباً في رفع منسوب التوتر العامّ: لا في مجابهته للتصلب الروسي ولا في تصدّيه لطموح إيران إلى فرض نفسها قوّة قيادية أولى في الشرق الأوسط. يظهر هذا التحفّظ الغربي خصوصاً في امتناع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي المثابر عن مجاراة الموقف الإسرائيلي الهجومي من الخطة النووية الإيرانية. ويظهر في استنكافهما أيضاً عن مجاوزة حدّ بعينه من التدخل المباشر في المواجهة الدائرة على الأرض السورية.  على أن ثمة أمراً ثانياً يمثّل تواضعُ الإسهامين الماليين الأميركيين في تفريج الضائقتين المصرية والسورية إشارةً إليه قد يصحّ وصفها بـ”الرمزية”. ذاك هو الضعف البادي على القوة العظمى الأميركية وعلى قيادتها للعالم. ذاك ضعف ظهر، على نطاق إجمالي، في مآل الحملة الثأرية الكبرى التي شنّتها الولايات المتّحدة بعد واقعة 11 أيلول 2001 وكان ميداناها الأظهران أفغانستان والعراق. فقد أمست نافلةً الإشارة إلى تكشّف حلفاء الولايات المتّحدة وممالئي دورها من العراقيين، بعد أن تسلّموا دفّة المتاح من السلطة المركزية في بغداد، عن حلفاءٍ لخصمها الإيراني. وأمسى تحصيلاً لحاصلٍ أيضاً التنبّؤُ بعودة طالبان إلى التصدر في كابول حالما تولـّي القوّات الأميركية الأدبار هناك. كانت حرب تحرير الكويت في مطلع التسعينات من القرن الماضي ذروة عملانية للقيادة الأميركية لعالم ما بعد جدار برلين. وتبدو لملمة ذيول 11 أيلول الجارية محطّة رئيسة في انكفاء هذه القيادة وتراخي قبضتها. هذا الوجه الجغراسي لذواء القوة الأميركية (والغربية، على الأعمّ) يكمله وجه داخلي لا يدع وجهاً للشك في بُعْد أجله. فإن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي كلاهما في حالِ مَرَض لم يجدا إلى  الآن علاجاً يمنع تفاقمه. ففضلاً عن تكشف النطاق المهول لأزمة الديون الأوروبية، وهي أزمة لا يبدو تحميل أثقالها لدول الاتحاد الغنية ولا للطبقات المحدودة الدخل في غنيّ الدول وفقيرها أسلوباً واعداً بإرسائها على برّ أمان، تتعثّر محاولات تقليص العجز في الموازنة الأميركية وتضرب المقتطعات من الإنفاق العام، أول ما تضرب، قطاع القوّات المسلّحة! ذاك أمرٌ قد لا يكون له أثر ذو بال في القوة العسكرية الأميركية ولكن لا يمكن الإغضاء عن إشارته إلى وجهة… قد لا نجد أسباباً كثيرة، في تاريخ مزاولة الولايات المتحدة لجبروتها العسكري، لإبداء الأسف حيال العودة إلى ضرب، سيبقى نسبياً على الأرجح، مما يسمى “الانعزالية” في التاريخ السياسي والعسكري الأميركي. وقد لا تكون روسيا ولا إيران مؤهّلة لخلافةٍ إستراتيجية مستقرة للغرب في ما يدعى الشرق الأوسط. الشبحُ الصيني وبعده الهندي تزداد قسماتهما وضوحاً ولكنهما لا يزالان على مبعدة. نحن في عالم أطرافه كلها ضعيف أو بعيد وليس لنا أن نهنئ أنفسنا على ذلك أية كانت عداوتنا الفائتة أو مودتنا السابقة لهذا الطرف أو ذاك. فإن ضعف القيادة الخارجية للعالم يُورِث، في الأغلب، ضعفَ النموذج السياسي المعروض على المجتمعات. وهو ينذر، بالتالي، بتطاول أزماتها ويرجّح كفّة ما تنطوي عليه من عوامل التفتت الجوّانية. أي أن هذا الضعف في القيادة الخارجية يحدّ، في الأجل القصير، من الإمكانات المتاحة لحسم الصراعات الدائرة في المجتمعات ويقوي احتمال انقلابها ساحات مفتوحة لمنازعات متحركة ودائمة القابلية للاستخدام الخارجي المتضارب. في حالاتٍ من قبيل مصر وتونس، تضافرت عواملُ تماسك داخلي ذات فاعلية نسبية ومعها نوع الهامشية للصراع الخارجي، على صعيد الوسائل إن لم يكن على صعيد النوايا، فأمكن الوصول إلى الوضع الرجراج القائم هنا وهناك: وهو وضع لا ينطوي، في كل حال، على ضمانات ضبطٍ للصراع السياسي في الحدود المؤسسية ولا تمنع موانع حاسمة دون  إفضائه إلى العنف الأهلي المفتوح. في سوريا، يبدو الصراع الدائر مرآة مجلوّة لضعف أطراف العالم الراهن وعجزها عن إملاء قواعد على السلطات فيه ورسم حدود للطغيان. فالحال أن حركات التغيير التي شهدتها الأقطار العربية ابتداء من نهاية 2010 وما زالت مفاعيلها تتعاقب، لم يكتنف أيّاً منها ما اكتنف الحركة السورية من حدّة في المواجهة الخارجية. وهذه حدّة تعبّر عنها ضخامة التوظيفين الإيراني والروسي في الدفاع عن النظام الأسدي. كانت كلٌّ من الحركات الأخرى مكتنفةً بحبكة مصالح خارجية، طبعاً… ولكن الحبكة المطْبِقة على سوريا لم يوجد لها مثيل. وهي، على شدّتها، حبكةُ أطرافٍ ضعيفة لا تجاوز فاعليتها تأجيل الحسم وتعظيم الخسائر. وهي تتآزر في إبطاء الحسم بوسائل من بينها ترك من تخشى نموّه من القوى المقاتلة يزداد نمواً وخطراً على مصالحها الأساسية.   ضَعْفُ العالم هذا هو ما يمكن اعتباره سوءَ حظّ فظيعاً لم يَزَل يَضْرب الشعب السوري… يضرب شعباً نادر الشجاعة ومتوفّراً على كل ما قد يحتاج إليه شعبٌ من الدواعي إلى الثورة ومن أسانيد الحقّ فيها.                – See more at: http://www.almodon.com/opinion/2013/3/8/%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85-%d8%b6%d8%b9%d9%8a%d9%81#sthash.BIm1M5nH.dpuf

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s