الشَظيّة

http://www.almodon.com/culture/2c9cccf2-ce2b-4aa2-a2a1-1e0673df0564

من يتابع تطوّر الطُرُز المعمارية في مدينة بيروت والطور الجديد الذي تدخله هيئتها المدنية في هذه السنوات الأخيرة، لن يفوته أن يلاحظ الطغيان المتفاقم للزجاج على منظر المدينة وعلى علاقة ساكنيها بما تعرضه على أجسامهم من أحاسيس مختلفة. تلك أحاسيس بمادة المدينة نفسها وبأشكالها وألوانها وملامسها وهي من ثمّ علاقة بين السكان وأجسامهم، بينهم وبين أنفسهم. كنا معتادين أن يطغى الزجاج على أبنية بعضها أبراج، وهي معدّة لاستقبال الأعمال والتجارة. وكان المعدن يؤطّر الزجاج في هذه المباني ويقاسمه حضوره. وهذا مع العلم أن كثيراً من المكاتب بقيت تؤويها أبنية لا تختلف في شيء يذكر عن الأبنية السكنية أو أخرى تتقاسمها الأعمال والمساكن. اليوم ينحو المعدن إلى التخفي وراء الزجاج أو إلى حضور أكثر مواربة معه. والأهمّ أن الزجاج راح يشكّل العنصر الأبرز في منظر الجديد من المباني السكنية أيضاً، مستجيباً لما كان قد ظهر أثره على الأبنية القديمة من تفضيل للشرفات المزجّجة. وبين هذا الجديد السكني أيضاً، تبدو نسبة الأبراج آخذة في تزايد متسارع. في خمسينات القرن العشرين، على التقريب، اتّخذت بيروت قيافة ألفتها الأجيال المتعاقبة مذ ذاك، قوامها الأبنية ذوات الطبقات السبع، على وجه الإجمال. ورثت هذه المباني أخرى ذوات أربع طبقات وبيوتاً ذوات طبقة واحدة أو اثنتين وراحت تجتثها على عجل لتحتلّ أماكنها. وفي هذا الخضمّ الذي شكّل المدينة لأكثر من نصف قرن وبدأ ظله يتقلّص وينكشف في الأعوام الأخيرة، ظهرت، من البداية، استثناءات نادرة بضخامتها وشموخها تمثّلت، في أوّل الأمر، بأبراج الأعمال والتجارة. في الخمسينات، كان مبنيا العسيلي واللعازارية، في وسط المدينة، استثناءين فريدين من الصورة العامّة لأبنية المدينة، ولكن واجهتيهما بقيت حجرية المظهر، متّسمة بغياب الشرفات، تكتنف النوافذ الكثيرة موازِنةً حضورها الزجاجي أو ستائرها المعدنية. في الستينات، حصل تكاثر محدود في هذا النوع من الأبراج التجارية وأخذت تتوزّع في أنحاء مختلفة من المدينة وراح يغلب على منظرها الزجاج والمعدن. وحين أنشئ، في أواخر الستينات، برج رزق السكني في الأشرفية كان – وبقي لسنوات – حالة فريدة في بابها… اليوم، تتكاثر أبنية تتشابه بارتفاعها الشاهق وبغلبة الزجاج على واجهاتها، مهما تكن وجهة استعمالها. حتى ليصعب، في بعض الحالات، الجزم الفوري بما هي وجهة الاستعمال تلك. وذاك أن الزجاج يحجب الشرفات إذا وجدت أو هو يحلّ محلّها إذا افتقدت… فتوشك أن تلتبس المكاتب بالمساكن… يمكن، بالطبع، استرجاع المشكلات العملية التي يطرحها التوسع صعوداً على مدينة تبقى فيها الشوارع، إجمالاً، على حالها المعلومة وتخسر، بفعل نموّ البناء، المساحات المخصصة لوقوف سيارات الزوار والرواد وإن تكن تلحظ مواقف لسيارات الشاغلين. يمكن استذكار مشكلة السير والسيارات هذه ويمكن استذكار غيرها مما يتعلّق بالموارد المائية وآثار حفر الآبار على القاعدة الجيولوجية للمدينة وباستهلاك الطاقة واقتناء المولّدات الكبيرة والصغيرة ومصير البيئة وصحة البشر، إلخ. هذا كله بالغ الأهمية. ولكن ما نودّ التوقف عنده ههنا أمر آخر قلّ أن يلتفت إليه. ألا وهو الوقع النفسي للمدينة الجديدة على شاغليها. في الأحياء التي باتت الأبراج غالبة على عمرانها، بات محالاً في كثير من الحالات على المقيمين أن يبصروا من بيوتهم مساحة من السماء وإن تكن مجرّد زقاق سماوي، ولا تستثنى من ذلك الشرفات. بات شعور هؤلاء بالاحتباس في فضاء صناعي كلياً، أي بنوع من التعليب الجماعي، ساحقاً. بات ساحقاً أيضاً شعورهم بضغط الأبنية الشامخة الجديدة على قاماتهم حتى ليشعر الواحد منهم، وهو في الشارع، بأن مكابس هائلة الثقل والقوّة تجهد للخفض من طول قامته… تخفض طول قامته من داخل نفسه عمّا كان عهده بقامته… إلى ذلك تضاف مفاعيل الزجاج، أو، بالعبارة الأدقّ، بعض الصور اللبنانية لأفاعيله. لا تقتصر مشكلة الزجاج في مخيلتنا الجسدية على برودته ولا على قسوته ولا على ما له من شفافية أو لمعان يخفيان كلياً مادّته الأولى فيستكملان تغريبه عما هو طبيعي ويستتمان نسبته الكلية إلى الصناعة والمصنوع. ولا يحتاج المتنزه في بيروت الجديدة إلى تذكّر العنوان الذي اختاره عبّاس بيضون لواحدة من مجموعات أشعاره: “مدافن زجاجية”. الزجاج في الذاكرة الجسدية للبنانيين هو أيضاً شظايا الزجاج. هو جارح إذن فضلاً عن الأوصاف الأخرى لعلاقته بأجساد البشر. وبيروت مدينة لم يمض مائة سنة (ولا مائتا يوم) على آخر انفجار ضخم نثر شظايا زجاجها في كل اتجاه ونشرها على مساحات مخيفة الاتساع. ثم إن هذه الأبنية الجديدة لا توحي بالصورة المعتادة للشظية الزجاجية. فإن الزجاج المستعمل فيها، بهذه الوفرة المهولة وبهذه السماكة التي تؤهله للاستواء عنصراً في هيكل البناء، يوحي بشظايا ذوات ثقل وحجم مرعبين تسقط على المارّ من علوّ شاهق أو تضرب العابر الغافل عن كثب. فإذا كان السائر بمحاذاة هذا أو ذاك من الأبنية الشامخة المستجدّة من ذوي الوساوس فليس يستبعد أن تأخذه الرعدة وهو يفكّر في تلك الشظية التي قد تشقه نصفين، في حال وقوع المحذور،  أو تذبحه من الوريد إلى الوريد.        – See more at: http://www.almodon.com/culture/2013/2/28/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b8%d9%8a%d8%a9#sthash.QJDnapsZ.dpuf

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s