مدموزيل فريدة

http://www.almodon.com/opinion/0a4cf6c0-587f-47f3-a22e-804a6d29eb7e

لا يعرف سواد اللبنانيين أن نظامهم الانتخابي فريد من نوعه في العالم. من زمن طويل، يقال لهم إن الصيغة اللبنانية فريدة زمانها. كان بيار الجميل يكثر من ترداد هذه الصفة كلما ذكرها. حتى أن ابنه بشيراً ضاق ذرعاً بهذا الغزل الرتيب بالصيغة فراح يسميها ساخراً “مدموزيل فريدة”! غير أن عامّة اللبنانيين يظنون أن الفريد في حالتهم هو “تعايش الطوائف” أو “العيش المشترك” كما لا يزال يدعى، تهذيباً أو تفاؤلاً، بعد كلّ ما جرى ويجري. ما لا يعلمه هؤلاء اللبنانيون هو أن نظامهم الانتخابي أو التمثيلي، بالأحرى، لا نظير له على سطح الكرة. ولا ترجع هذه الفرادة العبقرية إلى كون الأرض خالية من المجتمعات المتعددة المكوّنات. فإن هذا التعدّد (وهو الذي يحسبه بعض اللبنانيين ميزة حصرية لبلادهم) هو أكثر الحالات شيوعاً على سطح البسيطة بحيث يكاد لا يخلو منه مجتمع. ليس نظام تقاسم السلطة بين مكونات المجتمع أيضاً بالأمر الذي تنفرد به بلادنا. هذا شائع جداً في دول العالم أيضاً. ولكن المعتاد، في هذا النوع من الأنظمة، أن يعتمد تقسيم جغرافي للبلاد وأن يعطى كل قسم مقداراً من الحرّية وأن تشترك الأقسام في تكوين المؤسسات المركزية. ولهذا الأمر درجات وأشكال ولها أسماء معروفة هي اللامركزية والفدرالية والكونفدرالية… ولكن المكونات المعتبرة في هذه الحالات جميعاً تبقى جغرافية. فلا يقبل في عالم اليوم أن يعرّف البشر، في كينونتهم السياسية، بأديانهم ولا بألوانهم ولا بلغاتهم ولا بجنسهم،… فإن لمثل هذا التعريف اسماً معروفاً هو “التمييز” وهو منبوذ في شرعات العالم من إعلان حقوق الإنسان إلى دساتير الدول. بلى تلجأ الدول المتعددة المكوّنات عند الخشية من طغيان الكثرة على القلّة أو الأقوياء على الضعفاء إلى طريقة “النصيب المحفوظ” أو الـ”كوتا” المحجوزة. مثل هذا متّبع لحفظ حق الأقباط في مصر، مثلاً، في التمثيل النيابي وكذلك لحفظ حقّ المسيحيين في الأردن. وقد يحفظ نصيب للنساء في اللوائح، بما هنّ جنس مغموط الحقّ في التمثيل السياسي، وهو ما تطالب به اليوم تنظيمات نسائية لبنانية. على أن “النصيب المحفوظ” في هذه الحالات كلها يبقى استثناء ولا يستقيم ولا يجوز اعتباره المبدأ العامّ الناظم للتمثيل برمته. والحال أنه لا يوجد في العالم بلاد غير لبنان يتألف التمثيل السياسي بأسره فيها من “أنصبة محفوظة”. سبب ذلك هو الكره الشديد الذي يعمّ عالمنا الحاضر لأسر الناس في هوياتهم الأولية ولافتراض هيمنة الهويات هذه، بالضرورة، على خياراتهم في السياسة. وحين تقسّم البلاد، وليس الشعب، إلى دوائر يمكن – بلا حصر ولا ضرورة – أن تعرّف الدائرة بلغة أهلها أو بأصلهم الإثني، إلخ. ولكن الدائرة، بما هي منطقة من البلاد، تبقى مفتوحة لكل مواطن يسوقه إلى الإقامة فيها داعٍ من الدواعي أيّاً كان. ولا يحال دون هذا القادم والانتخاب في المنطقة التي أصبح واحداً من سكانها ولا يسأل هناك عن دينه ولا عن لغته ولا يتّهم بالإخلال بالنقاء العرقي أو اللغوي أو الديني للمنطقة التي انتقل إليها.   درج اللبنانيون على تشبيه حالتهم بالحالة السويسرية. والحقّ أن الكنتونات السويسرية تفترق، إلى هذه الدرجة أو تلك، في اللغة وفي الأصول القومية. ولكن هذه الكنتونات مناطق جغرافية وليست جماعات قومية ولا لغوية. فإن كلاً منها مفتوح لأي سويسري يأتي للإقامة فيه، مختاراً أو مضطرّاً، ويطلب أن يصبح ناخباً فيه. ذاك هو امتياز المبدأ الجغرافي على غيره بحيث أصبح حصرياً في عالم اليوم. هو يمتاز بكونه لا يسجن البشر في أصولهم ولا في مناطقهم… بكونه لا يصادرهم، بأي وجه، بحجّة حفظ نصيبهم من التمثيل في مؤسسات الدولة التمثيلية… فما بالك إذن بغير التمثيلية من هذه المؤسسات. في كتاب جماعي عنوانه وموضوعه “الأمة”، تقول دومينيك شنابر “إن الإدراج القانوني للتعدد الثقافي في مؤسسات الدولة لم يعرف في تاريخ الأمم الحديثة إلا تجسيداً وحيداً مشؤوماً هو الذي نقع عليه في لبنان. فإن النظام السياسي يقوم على منح كلّ طائفة، بما هي طائفة، تمثيلاً على مستويات التنظيم السياسي كلها. فأصبح الأفراد غير موجودين بما هم مواطنون، وإنما يوجدون بما هم ممثّلون لطائفة معترف بها. أدى هذا التنظيم إلى زعزعة وحدة الدولة والوحدة الاجتماعية. تلك، ولا ريب، حالة قصوى. ولكن فيها عبرة. فهي تسعف في تخيل المفاعيل المنطوية على احتمالات التفكيك لإدراج التعدد الثقافي في الدائرة العامّة. فكما أن المشروع الديمقراطي يتوجب عليه أن يضع في حسبانه تمثيل الفئات المختلفة على نحو غير منصوص عليه وجزئي، فإن الإدراج المؤسسي لتمثيل الفئات تمثيلاً متعادلاً، بما هي فئات، أمرٌ مناقض لهذا المشروع.” قالت شنابر ما قالته في حالتنا سنة 1995. إذ ذاك لم نكن وصلنا إلى مشروع “اللقاء – الفراق” الأرثوذكسي. أي إلى تجزئة الهيئة الناخبة أيضاً وليس المؤسسة المنتخبة وحدها طوائف طوائف! إذ ذاك كانت دولة جنوب إفريقيا تخرج من نظام الأبارتايد الذي فرض – في ما فرضه وفي بعض مراحله لا كلها –  مبدأ الفصل السياسي بين الأعراق بما في ذلك تجزئة الهيئة الناخبة إلى مجاميع عرقية. ها نحن نتهيّأ – على ما يظهر – لاختبار أبارتايدي (كان فريد زمانه أيضاً) في انتخاباتنا المقبلة. وهذا إن لم يكن من بيدهم الأمر يضمرون إلغاء الانتخابات، من أصلها: إلغاءها أي تأخيرها إلى أجل ليس في يد أحد أن يسميه.      – See more at: http://www.almodon.com/opinion/2013/2/22/%d9%85%d8%af%d9%85%d9%88%d8%b2%d9%8a%d9%84-%d9%81%d8%b1%d9%8a%d8%af%d8%a9#sthash.coG7FRz5.dpuf

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s