في فشل السياسة

http://www.almodon.com/opinion/672e4f04-c0ab-4f25-b063-61db8a84356e

في كتاب له صدر قبل أشهر، يتوسع الفيلسوف الفرنسي أتيان تاسان في جلاء فكرة تبدو موحية جداً للمتفكّر في أحوال حركات التغيير التي اصطلح على إدراجها تحت عنوان “الربيع العربي”. وهذا مع أن الكتاب مركّز على النظام الديمقراطي الغربي يقاربه انطلاقاً من أصوله في اليونان القديمة بعد أن يقرّر وجود رابط متين بين الديمقراطية والمأساة التي أرسى أصولها أعلام المسرح الإغريقي. هذا الرابط هو ما يبيح للمؤلف أن يمنح كلاً من وجوه الديمقراطية التي يوزّع عليها فصول كتابه وجه واحدة من شخصيات المآسي اليونانية الذائعة الصيت: أورست، أوديب ولكن أيضاً سقراط من عالم الحكمة، أخيل من عالم الملحمة، إلخ.، إلخ.
وأما الفكرة التي ينعقد عليها الكتاب كله فهي واضحة منذ عنوانه: “شؤم العيش في جماعة”! والعبارة مأخوذة من نصّ لفيلسوف فرنسي آخر من جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية هو الظواهري موريس ميرلو بونتي يقرّر فيه تعذّر الوصول إلى “حلّ موفّق” لمشكل الانقسام والتنازع الذي يشهده كل مجتمع والذي وجدت السياسة لمواجهته أو مداورته. عليه تنبسط فصول الكتاب في صورة مرافعة مؤداها إثبات فشل السياسة المحتوم: فشلها من أصلها بما هي سياسة.
تقوم هذه المرافعة على استطلاع مصائر الأفكار-المشاريع التي ترمي إلى تجديد صيغ العيش سوية أو إلى التأثير فيها حين يلقى بها (أي بالأفكار- المشاريع) في خضمّ الأفعال والتصرفات والأفهام التي يضطرب بها المجتمع ولا تنجو من مفاعيلها فكرة مطروحة على العموم ولا تبقى بعد التعرض لها فكرة على ما كانت عليه في نيّة مطلقيها ومرادهم.
ليست الفكرة جديدة على الفلسفة الغربية الحديثة في الواقع، وإن كانت تبغت حين تتخذ السياسة موضوعاً لها في كلام ميرلو بونتي ثم في كتاب تاسان. فهي ليست بعيدة عن تصوّر الاستلاب الهيغلي الذي يدلّ هو أيضاً على تحوّل المُثُل وخروجها من نطاق سيطرة العقل والإرادة اللذين يطلقانها عند انخراطها في العالم الموضوعي ووقوعها في أسر إلزاماته. وللفكرة نفسها تجلّيات معلومة في فكر ماركس الذي اعتمد هو أيضاً تصوّر “الاستلاب” في أعماله الأولى ثم استعاض عنه في عهد لاحق بتصوّر “التشييء” الذي يمثّله اندراج العمل الحيّ في السلعة الميتة. وقبل أن يظهر، عند ميرلو بونتي، تصوّر “الشؤم” الملازم للعيش في جماعة، ظهرت عند سارتر وعند ميرلو بونتي أيضاً (رفيق سارتر مدّة من الزمن) فكرة فقدان الفاعل السيطرة على معنى فعله ومصيره حالما يفلت الفعل من فاعله ليستوي نهباً للغير: لتيارات الأفعال الأخرى وشبكات التأثير المتداخلة التي تمثل مادّة الحياة الاجتماعة.
وفي السياسة، على وجه التحديد، كان آرثر كوستلر قد أبرز في روايته الذائعة الصيت “ظلام عند الظهر” مأساة الثوريين الروس المضطرين في عهد ستالين للاعتراف بـ”مسؤوليتهم الموضوعية” عن وقائع تستوي أساساً للحكم عليهم بالإعدام. ومعنى المسؤولية الموضوعية أن المسؤول إنما أراد شيئاً فكان أن حصل شيءٌ آخر: حصل شيء فظيع يصنف على أنه جريمة في حق الثورة نتيجة لإفلات الفعل من قبضة الفاعل المريد وانجرافه في تيار للوقائع لا سيطرة لهذا الفاعل عليه. على الرغم من فقدان السيطرة هذا، كانت المحاكم الستالينية ترى مسؤولية الفاعل عن الضرر الحاصل مسؤوليةً كاملة “موضوعياً”… مسؤوليةً يزيدها كمالاً اعتراف الفاعل بها فترسله المحكمة إلى الموت!
يتميّز كتاب تاسان بإفضائه بعد مطاف طويل إلى حكم مبرم على السياسة عموماً… وعلى السياسة الديمقراطية، على التخصيص، بالفشل المحتوم. فإن كل حلّ يعتمد ينتهي ههنا إلى غير ما أريد له أن يكون. ولا يقفل أي حلّ الباب أمام استمرار العمل لإعادة النظر فيه أو لاستبداله. ولا يعني الفشل مطلقاً إمكان الاستغناء عن السياسة إذ لا بدّ من مواصلة السعي في تسيير المجتمعات ومداراة ما يظهر فيها من شقوق لا تلأم إلا ويظهر غيرها، وما يعصف بها من نزاعات لا ينقطع دابرها إلا في وهم الواهمين. وما السياسة إلا ذلك السعي الخائب دائماً. وما القرابة بينه وبين “المأساة” الإغريقية إلا خيبته هذه نفسها.
يذهب الفكر بالقارئ العربي لتاسان إلى المسافة التي باتت تفصل كلا من ثورات العامين الأخيرين في العالم العربي عن إلهامها الأول. وهي مسافة نجمت إما عن عدم الإفضاء إلى الهدف أصلاً أو عن مباشرة النكوص عنه حالما أصبح في متناول اليد. يذهب الفكر بهذا القارئ إلى إفلات هذه الحركات من قبضات مطلقيها وانتهائها إلى أيد أخرى مع استمرار التنازع في أهدافها بين هؤلاء وأولئك وغيرهم أيضاً. يذهب الفكر بهذا القارئ إلى الغلبة الراهنة أو المتناهية على هذه الحركات لوجهات قد يصح اعتبارها نقائض لسعيها الأصلي وثأراً للمجتمعات التي ولّدتها من نفسها.
وفي حديثه عن فشل السياسة، يولي تاسان عناية خاصة لفشل الثورات الذي يبدو عنده محتوماً. فعسى أن نرى في هذا “التطبيع” لفشل السياسة بفعل تعميمه عزاءً لنا… عسى أن نجد في هذا التأصيل الذي يقع على جذور الفشل في الديمقراطية الغربية نفسها أي في القدوة التي يعتمدها الباحثون عن مخارج من أنظمة الاستبداد، ونحن في عدادهم، سلوى عما يحل بما شهدته ساحاتنا من حركات تغيير راحت تتغير بدورها… عسى أن نجد في صورة الفشل الملازم للسياسة – المأساة عزيمة لمواصلة الجري وراء مُثُل عادَ لا يمكن استئصالها من نفوس البشر: وهي – بحسب تاسان نفسه –  الرغبة في الحرية والافتراض المسبق للمساواة بين البشر والحاجة إلى العدالة. فهذا سعي لا بد منه ولا بديل له…
– See more at: http://www.almodon.com/opinion/2013/2/14/%d9%81%d9%8a-%d9%81%d8%b4%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d8%a9#sthash.kFBcoteX.dpuf

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s