اللبننة: هل يبقى معها ربيع؟

http://www.almodon.com/opinion/30873278-e7a0-497d-a635-2845c2edc6ac

منذ أوائل ما سمّي “الربيع العربي”، ظهر في آفاق الأقطار التي عصفت بأنظمتها حركات التغيير مصطلح “اللبننة”. كان يقال “التوافقية” أيضاً للدلالة على المسمّى نفسه بإسم يتجاوز الحالة اللبنانية بكثير… وكان حديث “اللبننة” هذا فضفاضاً جداً فلم يذهب متعاطوه إلى تناول محدّد للنموذج اللبناني ولكيفيات اعتماده في بلاد أخرى ولحدود الشبه بين تكوين المجتمع اللبناني وتكوين هذا أو ذاك من المجتمعات التي طرحت اللبننة صيغة لنظام دولتها الجديد.

والحال أن اللبننة، في ترجّحها الدلالي بين حال السّلم وحال الحرب، اتخذت مفهومين متعارضين. فهي قد شاعت، في أعوام الحرب اللبنانية وفي الإحالات اللاحقة إلى تلك الحرب، إسماً لتشظّي البلاد إلى مناطق متعازلة ولتوزّع العباد تشكيلات متباينة الأنواع تتعادى وتتقاتل. ولا ريب أن الطوائف كان لها القدح المعلّى في رسم خطوط الفصل بين نواحٍ لم تكن، في بعض من أهمّ حالاتها، غير أحياء في مدينة واحدة. ولكن اللبننة، بمعناها هذا، كانت أيضاً عداوة في الطائفة الواحدة وأشكالاً من الصراع يتداخل فيها الخارج والداخل وتتقاتل الأحزاب والعشائر أو القرى والأسر.. إلخ. وقد مثّل هذه الحالة من سمّوا “أمراء الحرب” من كبار وصغار وأصبح نظام العلاقات بينهم ونظام علاقاتهم بما يتجاوزهم من أطراف صلب النظام الذي استقرّت عليه البلاد سنوات (أو امتنع استقرارها عليه، بالأحرى، وبسببه) ثم رَسَم الخطوط العريضة لصيغة الخروج من الحرب…

هذه الصيغة الأخيرة أصبحت تسمّى “اللبننة” أيضاً، لا بمعنى التنازع الذي مثّلته الحرب، بل بمعنى الترتيب الذي وُضع لما بعدها. وهذا ترتيب لم يكن مبدؤه العام جديداً على البلاد. فإن هذا المبدأ (أي اعتماد الطوائف وحدات سياسية وبناء النظام السياسي على التشكيل الطائفي لمؤسّسات الدولة وعلى توزيع معيّن بين الطوائف لمواقع السلطة في الدولة) هو الذي اعتُمد في الدولة اللبنانية منذ نشوئها وهو الذي كان قد انتهى، عبر تحوّلاته المختلفة الوجوه ومسالك أطرافه في معالجة المسائل التي واجهتها البلاد، إلى الحرب أصلاً.

توجد إذن لبننة – مشكلة أو محنة… ولبننة – حلٌّ أو صيغة حياة. وقد كانت الصيغة، قبل الحرب، موضوع فخر عالي الجَرْس اشتُهر من بين رافعي العقيرة به الشاعر سعيد عقل. دعا عقل إلى “لبننة” العالم (بعد “زحلنة” لبنان طبعاً). ولم يلبث الأخذ بدعوته أن راح ينتشر في مزيد من الأقطار. فإن الصيغة التي كانت موضوع تلك الدعوة (أي تقاسم السلطة في المجتمعات المتعدّدة المكوّنات) لم تكن “فريدة” في أيّ وقت، على ما زَيّن لبعض اللبنانيين إعراضهم عن أحوال العالم المعاصر. ولكن اللبننة التي أخذت تزداد انتشاراً كانت لبننة المحنة لا لبننة المخرج منها. وكانت المحنة قد ضربت لبنان نفسه بطبيعة الحال فاستحقّت، حين ضربت سواه، إسم اللبننة هذا. وليس من ريب، من بعد، أن حشْر المحنة وعلاجها في مدلولِ لفظٍ واحد إنما يشير إلى اتّحادهما المُعْضل: أي إلى كون الداء هو المقترح دواءً وكون الدواء هو نفسه الداء أو سببه.

في لبنان، ألفْنا مصطلح “التوافقية” من عشرات السنين إسماً ومبدأً للنظام الطائفي المعتمد في بلادنا. وخَبِرْنا ما في دسم “التوافقية” المزعوم من سمّ كثير.
المدلول الصريح للـ “توافقية” هو اتّخاذ الطوائف والأعراق وحداتٍ سياسية في البلاد واتّخاذ خطوط الفصل بينها أساساً لتكوين المجتمع السياسي والدولة.
وفي خبرة اللبنانيين أن اعتماد هذا المبدأ يقي البلاد طغيان جماعة واحدة على الجماعات الأخرى طغياناً مطلقاً ويحمي، باستبقاء الموازين بين الجماعات ظاهرة وفاعلة، حرّيات للجماعات وأخرى للأفراد. هذا منجَز معتبر ولا يسوغ الإزراء به قطعاً. ويزيد من قيمته النظر في أحوال الجوار القريب والبعيد من أقطار أديرت شؤونها على غير هذه الشاكلة.

مع ذلك تجب الإشارة، بادئ بدءٍ، إلى أن قَدْراً من الغلبة تفرضه جماعة من الجماعات اللبنانية على غيرها قد وسَم على الدوام سيرة النظام اللبناني وأن أحوال الحرّيات من جماعية وفردية لم تكن مما يثلج الصدر في مراحل غير قصيرة من تاريخ البلاد المعاصر. صحيح أن قوّة غير لبنانية كثيراً ما كانت تسأل عن إرهاب الأفراد والجماعات، ولكن دور تلك القوّة في البلاد كان على الدوام موصول الفاعلية بأدوار الداخل وعلاقاته: أي بالنظام السياسي- الإجتماعي.

أمر آخر قد يكون هو الأهمّ وهو أن حقوق المواطنين وحرّياتهم تبقى ههنا رهناً لا لسلطة القانون وحمايته بل للموازين الرجراجة ما بين القوى أو الكتل السياسية – الطائفية. وهذه موازين تحمي أيضاً ما كان مخالفاً للقانون، في مجال “الحريّات” وفي سواه، مرتجلة نوعاً من المساواة العملية بين الحقّ ونقيضه.

مؤدّى هذه المساواة نفسها أن “اللبننة”، بمعنى “التوافقية”، لا يقتصر المصاب بها على الإرهاب. هي أيضاً سيادة الفساد قاعدةً لعمل المؤسسات، وامتناع المحاسبة بسبب من نزوع العصبيّات وأهلها إلى حماية الجناة من كل نوع. معنى اللبننة إذن انحسار دولة الحقّ (أو القانون)، إذا وُجدت أصلاً. ومعناها، على صعيد آخر، فقدان الإستقلال الوطني باستتباع مكوّنات الدولة لقوى الخارج. ومعناها تقاسم سلطة الدولة أشلاءً بين المنتفعين. فتستولي عصبية الفئة على كل ما هو مرفق عامّ وتسخّره وتنحرف به عن مبدأ المساواة بين المواطنين الذي يفترض أن يحكمه. يُعتمد ذلك في مؤسسات الدولة السياسية ولكن يتعذّر ردع عدواه عن القضاء والإدارة والقوّات المسلّحة…

معنى هذه “اللبننة” أيضاً مصادرة الأفراد وإلحاقهم، دون سؤال، بهذه أو تلك من الطوائف “المعترف بها” وجعل مزاولتهم لحقوقهم، على اختلافها، رهناً بهذا الإلحاق وإخضاعهم لشرع الطائفة في أحوالهم الشخصية. يلي ذلك تسليطُ كل طرف قيادي على الوسط الذي يقوده ليعيث فيه نهباً ويجنح إلى استرقاق البشر فيه.

ومعنى “اللبننة”، أخيراً لا آخراً، التوجّه نحو الحرب الأهلية كلما دعا تطوّر الموازين الموضوعية في المجتمع إلى تعديل جسيم لقواعد التقاسم أو كلما تعاكست، على نحو معيّن، مشيئات القوى الخارجية المهيمنة على أطراف الداخل. في هذا المساق، تحوّل اللبننة كلّ تغيير واقعي في موازين المجتمع (الديمغرافية، الاقتصادية، التعليمية.. إلخ) إلى بعبعٍ مثارِ ذعر. وهي تنشر هذا الذعر في صور التحاسد بين الجماعات اللبنانية والتعصّب العنصري ضدّ الغير، لبنانيين أم غير لبنانيين، ممن يؤثّرون، على أي نحو كان، في موازين النظام اللبناني. إلخ، إلخ…

لا بدّ من الإلتفات أيضاً إلى أن تكوين المجتمع اللبناني مختلف، حتى في ترسيمته العامة، عن تكوين المجتمعات العربية التي جرى تداول صيغة اللبننة بصددها. فبين الجماعات التي يتشكّل منها كل من هذه المجتمعات واحدة ذات صفة أكثرية جسيمة وهذا إن لم تكن ساحقة. هذا بينما تتقابل في لبنان اليوم جماعات كثيرة بينها ثلاث رئيسة ولكنها أقلّيات كلها. ولعل العراق الذي لا يعدّ بين مجتمعات الربيع العربي أكثر الحالات العربية إيحاءً بالشبه الشكلي بالحالة اللبنانية. وهذا لوجود ثلاث مكوّنات رئيسة للمجتمع العراقي أيضاً. وقد نذهب بالفكر أيضاً نحو الحالة اليمنيّة الذي ذُكرت اللبننة بصددها كثيراً. ولكن خطوط الفصل القبلية والجهوية في اليمن تُداخل خط الفصل الطائفي وتفوقه فاعلية حتى الآن.

جليٌّ، من بعد، أن الطائفية هي ما يفرض نفسه على أنه وجه الشبه الأبرز الذي انكشف للعيان بعنف يجعل الإعراض عنه أمراً متعذّراً بين مجتمعات كانت (باستثناء لبنان) تعاند الإقرار بطائفيتها… غير أن الطائفية التي تكاد تستغرق، بما هي مرض، صورة هذه المجتمعات ومعناها، لا تفلح في الخروج من دائرة اللغو والكذب حين تأخذ في وصف نفسها على أنها علاج.

وأما القول إن سبيل “التوافقية” أو اللبننة هو الوحيد المتاح أمام هذه الثورة أو تلك فإن كانت له صحّة فلأن من يقولون به يجتمعون على اعتباره مناسباً لهم. وهذه، في لبنان نفسه، حالُ من لا يخرج أفقهم عن حدّ الكناية عن البلاد والدولة بـ”الكعكة” أو بقالب “الجبنة” والرغبة، بالتالي، في اقتطاع “حصّة” منهما. مثل هؤلاء لن تنفع معهم موعظة. ليسوا بالضالّين أصلاً، بل هم يعرفون ما يريدون ويعلنون أنه الضرورة عينها ويضمرون أنه ليكن بعد ذلك ما يكون.

…لاوالكوارث قد تكون هي الممكن الوحيد أحياناً فلا يمنعها ذلك أن تكون كوارث. بل يتعيّن، مع الاضطرار إليها، أن يُحفظ لها اسمها فلا تسمّى الكارثة “ثورة” ولا  “ربيعاً”.

– See more at: http://www.almodon.com/opinion/2013/2/1/%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%A8%D9%86%D9%86%D8%A9-%D9%87%D9%84-%D9%8A%D8%A8%D9%82%D9%89-%D9%85%D8%B9%D9%87%D8%A7-%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%B9#sthash.QimNlGzF.dpuf

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s